فصل: الآية رقم ‏(‏40‏)‏

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: مختصر ابن كثير **


 الآية رقم ‏(‏18 ‏:‏ 19‏)‏

‏{‏ من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا ‏.‏ ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا ‏}‏

يخبر تعالى أنه ما كل من طلب الدنيا وما فيها من النعم يحصل له، بل إنما يحصل لمن أراد اللّه وما يشاء، وهذه مقيدة لإطلاق ما سواها من الآيات، فإنه قال‏:‏ ‏{‏عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم‏}‏ أي في الدار الآخرة ‏{‏يصلاها‏}‏ أي يدخلها حتى تغمره من جميع جوانبه، ‏{‏مذموما‏}‏ أي في حال كونه مذموماً على سوء تصرفه وصنيعه، إذ اختار الفاني على الباقي، ‏{‏مدحورا‏}‏ مبعداً مقصياً حقيراً ذليلاً مهاناً‏.‏ وفي الحديث‏:‏ ‏(‏الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا

مال له، ولها يجمع من لا عقل له‏)‏ ‏"‏أخرجه أحمد عن عائشة مرفوعاً‏"‏، وقوله‏:‏ ‏{‏ومن أراد الآخرة‏}‏

وما فيها من النعيم والسرور ‏{‏وسعى لها سعيها‏}‏ أي طلب ذلك من طريقه، وهو متابعة الرسول صلى اللّه عليه وسلم ‏{‏وهو مؤمن‏}‏ أي قلبه مؤمن، أي مصدق بالثواب والجزاء ‏{‏فأولئك كان سعيهم مشكورا‏}‏‏.‏

 الآية رقم ‏(‏20 ‏:‏ 21‏)‏

‏{‏ كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا ‏.‏ انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا ‏}‏

يقول تعالى ‏{‏كلا‏}‏ أي كل واحد من الفريقين الذين أرادوا الدنيا والذين أرادوا الآخرة، نمدهم فيما فيه ‏{‏من عطاء ربك‏}‏ أي هو التصرف الحاكم الذي لا يجور فيعطي كلاً ما يستحقه من السعادة والشقاوة، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏وما كان عطاء ربك محظورا‏}‏ أي لا يمنعه أحد ولا يرده راد، قال قتادة ‏{‏محظورا‏}‏، أي منقوصاً، وقال الحسن وغيره‏:‏ أي ممنوعاً، ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض‏}‏ أي في الدنيا، فمنهم الغني والفقير وبين ذلك، والحسن والقبيح وبين ذلك، ومن يموت صغيراً، ومن يعمر حتى يبقى شيخاً كبيراً، وبين ذلك ‏{‏وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا‏}‏‏:‏ أي ولتفاوتهم في الدار الآخرة أكبر من الدنيا، فإن منهم من يكون في الدركات في جهنم وسلاسلها وأغلالها، ومنهم من يكون في الدرجات العلى ونعيمها وسرورها، ثم أهل الدركات يتفاتون فيما هم فيه، كما أن أهل الدرجات يتفاوتون، فإن الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض‏.‏ وفي الصحيحين‏:‏ ‏(‏إن أهل الدرجات العلى ليرون أهل عليين، كما ترون الكوكب الغابر في أفق السماء‏)‏، ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا‏}‏‏.‏

 الآية رقم ‏(‏22‏)‏

‏{‏ لا تجعل مع الله إلها آخر فتقعد مذموما مخذولا ‏}‏

يقول تعالى والمراد المكلفون من الأمة، لا تجعل أيها المكلف في عبادتك ربك له شريكاً ‏{‏فتقعد مذموما‏}‏ أي على إشراكك به ‏{‏مخذولا‏}‏ لأن الرب تعالى لا ينصرك، بل يكلك إلى الذي عبدت معه، وهو لا يملك ضراً ولا نفعاً، عن عبد اللّه بن مسعود قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏(‏من أصابته فاقة فأنزلها بالناس لم تسد فاقته، ومن أنزلها باللّه، فيوشك اللّه له برزق عاجل أو آجل‏)‏ ‏"‏رواه أحمد وأبو داود والترمذي‏"‏‏.‏

 الآية رقم ‏(‏23 ‏:‏ 24‏)‏

‏{‏ وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما ‏.‏ واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا ‏}‏

يقول تعالى آمراً بعبادته وحده لا شريك له، فإن القضاء ههنا بمعنى الأمر‏.‏ قال مجاهد ‏{‏وقضى‏}‏ يعني وصّى، ولهذا قرن بعبادته بر الوالدين فقال‏:‏ ‏{‏وبالوالدين إحسانا‏}‏ أي وأمر بالوالدين إحساناً، كقوله في الآية الأخرى‏:‏ ‏{‏أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف‏}‏ أي لا تسمعهما قولاً سيئاً حتى ولا التأفف الذي هو أدنى مراتب القول السيء، ‏{‏ولا تنهرهما‏}‏ أي ولا يصدر منك إليهما فعل قبيح، كما قال عطاء‏:‏ ‏{‏ولا تنهرهما‏}‏ أي لا تنفض يدك عليهما، ولما نهاه عن القول القبيح والفعل القبيح، أمره بالقول الحسن والفعل الحسن، فقال‏:‏ ‏{‏وقل لهما قولا كريما‏}‏ أي ليناً طيباً حسناً بتأدب وتوقير وتعظيم، ‏{‏واخفض لهما جناح الذل من الرحمة‏}‏ أي تواضع لهما بفعلك، ‏{‏وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا‏}‏ أي في كبرهما وعند وفاتهما‏.‏ وقد جاء في بر الوالدين أحاديث كثيرة، منها الحديث المروي من طرق عن أنَس وغيره أن النبي صلى اللّه عليه وسلم صعد المنبر ثم قال‏:‏ ‏(‏آمين آمين آمين‏)‏، قيل‏:‏ يا رسول اللّه علام أمنت‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏أتاني جبريل، فقال‏:‏ يا محمد رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل عليك، قل آمين، فقلت آمين، ثم قال رغم أنف رجل دخل عليه شهر رمضان ثم خرج فلم يغفر له، قل آمين، فقلت آمين، ثم قال رغم أنف رجل أدرك والديه أو أحدهما فلم يدخلاه الجنة، قل آمين، فقلت آمين‏)‏ ‏"‏أخرجه الترمذي الحاكم عن أبي هريرة‏"‏‏.‏ حديث آخر ‏:‏ روى الإمام أحمد عن أبي مالك القشيري قال، قال النبي صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏(‏من أدرك والديه أو أحدهما ثم دخل النار من بعد ذلك فأبعده اللّه وأسحقه‏)‏ ‏"‏ورواه أبو داود الطيالسي عن شعبة وفيه زيادات أخر‏"‏‏.‏ حديث آخر ‏:‏ روى الإمام أحمد، عن أبي هريرة عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏رغم أنف ثم رغم أنف ثم رغم أنف‏:‏ رجل أدرك أحد أبويه أو كلاهما عنده الكبر ولكم يدخل الجنة‏)‏ حديث آخر ‏:‏ عن مالك بن ربيعة الساعدي قال‏:‏ بينما أنا جالس عند رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذ جاءه رجل من الأنصار، فقال‏:‏ يا رسول اللّه هل بقي من بر أبويّ شيء بعد موتهما أبرهما به‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏نعم خصال أربع‏:‏ الصلاة عليهما والاستغفار لهما وإنفاذ عهدهما وإكرام صديقهما، وصلة الرحم التي لا رحم لك إلا من قبلهما، فهو الذي بقي عليك من برهما بعد موتهما‏)‏ ‏"‏رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه‏"‏‏.‏ حديث آخر ‏:‏ عن معاوية بن

جاهمة السلمي، أن جاهمة جاء إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم فقال‏:‏ يا رسول اللّه أردت

الغزو، وجئتك أستشيرك، فقال‏:‏ ‏(‏فهل لك من أم‏؟‏‏)‏ قال‏:‏ نعم، قال‏:‏ ‏(‏فالزمها فإن الجنة عند رجليها‏)‏ ‏"‏رواه أحمد والنسائي وابن ماجه‏"‏‏.‏ حديث آخر ‏:‏ قال الحافظ البزار في مسنده عن سليمان بن بريدة، عن أبيه أن رجلاً كان في الطواف حاملاً أمه يطوف بها، فسأل النبي صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ هل أديت حقها‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏لا، ولا بزفرة واحدة‏)‏ ‏"‏قال ابن كثير‏:‏ في سنده الحسن بن أبي جعفر وهو ضعيف‏"‏‏.‏

 الآية رقم ‏(‏25‏)‏

‏{‏ ربكم أعلم بما في نفوسكم إن تكونوا صالحين فإنه كان للأوابين غفورا ‏}‏

قال سعيد بن جبير‏:‏ هو الرجل تكون منه البادرة إلى أبويه وفي نيته وقلبه أنه لا يؤخذ به، وفي رواية لا يريد إلا الخير بذلك، فقال‏:‏ ‏{‏ربكم أعلم بما في نفوسكم إن تكونوا صالحين‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏فإنه كان للأوابين غفورا‏}‏ قال قتادة‏:‏ للمطيعين أهل الصلاة، وعن ابن عباس‏:‏ المطيعين المحسنين‏.‏ وعن ابن المسيب‏:‏ الذين يصيبون الذنب ثم يتوبون، وعن عطاء بن يسار، وسعيد بن جبير، ومجاهد‏:‏ هم الراجعون إلى الخير‏.‏ وعن عبيد بن عمير قال‏:‏ كنا نعد الأوَّاب من يقول‏:‏ اللهم اغفر لي ما أصبت في مجلسي هذا‏.‏ وقال ابن جرير‏:‏ والأولى في ذلك قول من قال هو التائب من الذنب، الرّجاع من المعصية إلى الطاعة، مما يكره اللّه إلى ما يحبه ويرضاه، وهذا الذي قاله هو الصواب، لأن الأواب مشتق من الأوب وهو الرجوع، يقال‏:‏ آب فلان إذا رجع، قال تعالى‏:‏ ‏{‏إن إلينا إيابهم‏}‏‏.‏ وفي الحديث الصحيح أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان إذا رجع من سفر قال‏:‏ ‏(‏آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون‏)‏

 الآية رقم ‏(‏26 ‏:‏ 28‏)‏

‏{‏ وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا ‏.‏ إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا ‏.‏ وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم قولا ميسورا ‏}‏

لما ذكر تعالى بر الوالدين، عطف بذكر الإحسان إلى القرابة وصلة الأرحام، وفي الحديث‏:‏ ‏(‏أمك وأباك ثم أدناك أدناك‏)‏، وفي رواية‏:‏ ‏(‏ثم الأقرب فالأقرب‏)‏ وفي الحديث‏:‏ ‏(‏من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أجله فليصل رحمه‏)‏ وقوله‏:‏ ‏{‏ولا تبذر تبذيرا‏}‏ لما أمر بالإنفاق نهى عن الإسراف فيه، بل يكون وسطاً كما قال في الآية الأخرى‏:‏ ‏{‏والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا‏}‏ الآية، ثم قال منفراً عن التبذير والسرف‏:‏ ‏{‏إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين‏}‏‏:‏ أي أشباههم في ذلك، قال ابن مسعود‏:‏ التبذير الإنفاق في غير حق، وقال مجاهد‏:‏ لو أنفق إنسان ماله في الحق لم يكن مبذراً، ولو أنفق مداً في غير حق كان مبذراً‏.‏ وقال قتادة‏:‏ التبذير النفقة في معصية اللّه تعالى، وفي غير الحق والفساد، وقوله‏:‏ ‏{‏إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين‏}‏‏:‏ أي في التبذير والسفه، وترك طاعة اللّه وارتكاب معصيته، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏وكان الشيطان لربه كفورا‏}‏‏:‏ أي جحوداً، لأنه أنكر نعمة اللّه عليه ولم يعمل بطاعته، بل أقبل على معصيته ومخالفته، وقوله‏:‏ ‏{‏وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك‏}‏ الآية‏:‏ أي إذا سألك أقاربك ومن أمرناك بإعطائهم وليس عندك شيء وأعرضت عنهم لفقد النفقة ‏{‏فقل لهم قولا ميسورا‏}‏‏:‏ أي عدهم وعداً بسهولة ولين إذا جاء رزق اللّه فسنصلكم إن شاء اللّه‏)‏ هكذا فسره مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير والحسن وقتادة فسروا القول الميسور بالوعد ‏.‏

 الآية رقم ‏(‏29 ‏:‏ 30‏)‏

‏{‏ ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا ‏.‏ إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إنه كان بعباده خبيرا بصيرا ‏}‏

يقول تعالى آمراً بالاقتصاد في العيش، ذاماً للبخل، ناهياً عن السرف‏:‏ ‏{‏ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك‏}‏ أي لا تكن بخيلاً منوعاً لا تعطي أحداً شيئاً، كما قالت اليهود عليهم لعائن اللّه يد اللّه مغلولة أي نسبوه إلى البخل، تعالى وتقدس الكريم الوهاب، وقوّله‏:‏ ‏{‏ولا تبسطها كل البسط‏}‏ أي ولا تسرف في الإنفاق فتعطي فوق طاقتك، وتخرج أكثر من دخلك ‏{‏فتقعد ملوما محسورا‏}‏، وهذا من باب اللف والنشر، أي فتقعد إن بخلت ملوماً يلومك الناس ويذمونك، ومتى بسطت يدك فوق طاقتك قعدت بلا شيء تنفقه فسر ابن عباس والحسن وقتادة وابن جريج الآية بأن المراد هنا البخل والسرف فتكون كالحسير، وهو الدابة التي قد عجزت عن السير فوقفت ضعفاً وعجزاً، فإنها تسمى الحسير‏.‏ وهو مأخوذ من الكلال، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير‏}‏ أي كليل عن أن يرى عيباً، وقد جاء في الصحيحين عن أبي هريرة أنه سمع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول‏:‏ ‏(‏مثل البخيل والمنفق كمثل رجلين عليهما جبتان من حديد من ثديهما إلى تراقيهما، فأما المنفق فلا ينفق إلا سبغت، أو وفرت على جلده حتى تخفي بنانه وتعفو أثره، وأما البخيل فلا يريد أن ينفق شيئاً إلا لزقت كل حلقة مكانها فهو يوسعها فلا تتسع‏)‏ ‏"‏هذا لفظ البخاري في الزكاة‏"‏‏.‏ وفي الصحيحين عن أسماء بنت أبي بكر قالت،

قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏(‏أنفقي هكذا وهكذا وهكذا، ولا توعي فيوعي اللّه عليك، ولا توكي فيوكي اللّه عليك‏)‏، وفي لفظ‏:‏ ‏(‏ولا تحصي فيحصي اللّه عليك‏)‏ وفي صحيح مسلم،

قال رسول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إن اللّه قال لي‏:‏ أَنفق أُنفق عليك‏)‏ وفي الصحيحين

عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏(‏ما من يوم يصبح العباد فيه إلا وملكان ينزلان من السماء يقول أحدهما‏:‏ اللهم أعط منفقاً خلفاً، ويقول الآخر‏:‏ اللهم أعط ممسكاً تلفاً‏)‏، وروى مسلم عن أبي هريرة مرفوعاً‏:‏ ‏(‏ما نقص مالٌ من صدقة، وما زاد اللّه عبداً أنفق إلا عزً، ومن تواضع للّه رفعه اللّه‏)‏ وفي حديث عبد اللّه بن عمر مرفوعاً‏:‏ ‏(‏إياكم والشح فإنه أهلك من كان قبلكم، أمرهم بالبخل فبخلوا، وأمرهم بالقطيعة فقطعوا، وأمرهم بالفجور ففجروا‏)‏ ‏"‏الحديث أخرجه أبو داود والحاكم عن ابن عمرو‏"‏‏.‏ وروى البيهقي عن الأعمش، عن أبيه قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏(‏ما يخرج رجل صدقة حتى يفك لحي سبعين شيطاناً‏)‏ وروى الإمام أحمد عن عبد اللّه بن مسعود قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏(‏ما عال من اقتصد‏)‏، وقوله‏:‏ ‏{‏إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر‏}‏ إخبار أنه تعالى هو الرزاق القابض الباسط، المتصرف في خلقه بما يشاء، فيغني من يشاء ويفقر من يشاء، لما له في ذلك من الحكمة، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏إنه كان بعباده خبيرا بصيرا‏}‏ أي خبيراً بصيراً بمن يستحق الغنى ويستحق الفقر‏.‏ كما جاء في الحديث‏:‏ ‏(‏إن من عبادي لمن لا يصلحه إلا الفقر ولو أغنيته لأفسدت عليه دينه، وإن من عبادي لمن لا يصلحه إلا الغنى ولو أفقرته لأفسدت عليه دينه‏)‏ وقد يكون الغنى في حق بعض الناس استدراجاً، والفقر عقوبة عياذاً باللّه من هذا وهذا‏.‏

 الآية رقم ‏(‏31‏)‏

‏{‏ ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم كان خطأ كبيرا ‏}‏

هذه الآية الكريمة دالة على أن اللّه تعالى أرحم بعباده من الوالد بولده، لأنه نهى عن قتل الأولاد، كما أوصى الآباء بالأولاد في الميراث، وكان أهل الجاهلية لا يورثون البنات، بل كان أحدهم ربما قتل ابنته لئلا تكثر عيلته، فنهى اللّه تعالى عن ذلك وقال‏:‏ ‏{‏ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق‏}‏ أي خوف أن تفتقروا في ثاني الحال، ولهذا قدم الاهتمام برزقهم فقال‏:‏ ‏{‏نحن نرزقهم وإياكم‏}‏‏.‏ وفي الأنعام‏:‏ ‏{‏ولا تقتلوا أولادكم من إملاق‏}‏‏:‏ أي من فقر ‏{‏نحن نرزقكم وإياهم‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏إن قتلهم كان خطأ كبيرا‏}‏‏:‏ أي ذنباً عظيماً، وفي الصحيحين عن عبد اللّه بن مسعود، قلت‏:‏ يا رسول اللّه أي الذنب أعظم‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏أن تجعل للّه نداً وهو خلقك‏)‏، قلت‏:‏ ثم أي‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك‏)‏، قلت‏:‏ ثم أي‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏أن تزاني بحليلة جارك‏)‏

 الآية رقم ‏(‏32‏)‏

‏{‏ ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا ‏}‏

يقول تعالى ناهياً عباده عن الزنا، وعن مقاربته، ومخالطة أسبابه ودواعيه ‏{‏ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة‏}‏ أي ذنباً عظيماً، ‏{‏وساء سبيلا‏}‏ أي وبئس طريقاً ومسلكاً، روى الإمام أحمد، عن أبي أمامة، أن فتى شاباً أتى النبي صلى اللّه عليه وسلم فقال‏:‏ يا رسول اللّه ائذن لي بالزنا، فأقبل عليه القوم فزجروه، وقالوا‏:‏ مه مه‏.‏ فقال‏:‏ ‏(‏ادنه‏)‏، فدنا منه قريباً، فقال‏:‏ ‏(‏اجلس‏)‏ فجلس، فقال‏:‏ اتحبه لأمك‏؟‏ قال‏:‏ لا واللّه، جعلني اللّه فداك، قال‏:‏ ‏(‏ولا الناس يحبونه لأمهاتهم‏)‏، قال‏:‏

‏(‏أفتحبه لابنتك‏؟‏‏)‏ قال‏:‏ لا واللّه يا رسول اللّه، جعلني اللّه فداك، قال‏:‏ ‏(‏ولا الناس يحبونه لبناتهم‏(‏، قال‏:‏ ‏(‏أفتحبه لأختك‏؟‏‏)‏ قال‏:‏ لا واللّه جعلني اللّه فداك، قال‏:‏ ‏(‏ولا الناس يحبونه لأخواتهم‏)‏، قال‏:‏ ‏(‏أفتحبه لعمتك‏؟‏‏)‏ قال‏:‏ لا واللّه، جعلني اللّه فداك، قال‏:‏ ‏(‏ولا الناس يحبونه لعماتهم‏)‏، قال‏:‏ ‏(‏أفتحبه لخالتك‏؟‏‏)‏ قال‏:‏ لا واللّه جعلني اللّه فداك، قال‏:‏ ‏(‏ولا الناس يحبونه لخالاتهم‏)‏، قال‏:‏ فوضع يده

عليه وقال‏:‏ ‏(‏اللهم اغفر ذنبه وطهر قلبه وأحصن فرجه‏)‏، قال‏:‏ فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء ‏"‏أخرجه الإمام أحمد في المسند‏"‏‏.‏ وعن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏ما من ذنب بعد الشرك أعظم عند اللّه من نطفة وضعها رجل في رحم لا يحل له‏)‏ ‏"‏أخرجه ابن أبي الدنيا عن الهيثم بن مالك الطائي مرفوعاً‏"‏‏.‏

 الآية رقم ‏(‏33‏)‏

‏{‏ ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا ‏}‏

يقول تعالى ناهياً عن قتل النفس بغير حق شرعي، كما ثبت في الصحيحين أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا اللّه وأن محمداً رسول اللّه إلا بإحدى ثلاث‏:‏ النفس بالنفس، والزاني المحصن، والتارك لدينه المفارق لجماعة‏)‏ وفي السنن‏:‏ ‏(‏لزوال الدنيا عند اللّه أهون من قتل مسلم‏)‏ وقوله‏:‏ ‏{‏ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا‏}‏‏:‏ أي سلطة على القاتل، فإنه بالخيار فيه، إن شاء قتله قوداً، وإن شاء عفا عنه على الدية، وإن شاء عفا عنه مجاناً، كما ثبتت السنة بذلك، وقوله‏:‏ ‏{‏فلا يسرف في القتل‏}‏ أي فلا يسرف الولي في قتل القاتل بأن يمثل به أو يقتص من غير القاتل، وقوله‏:‏ ‏{‏إنه كان منصورا‏}‏‏:‏ أي إن الولي منصور على القاتل شرعاً وقدراً‏.‏

 الآية رقم ‏(‏34 ‏:‏ 35‏)‏

‏{‏ ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا ‏.‏ وأوفوا الكيل إذا كلتم وزنوا بالقسطاس المستقيم ذلك خير وأحسن تأويلا ‏}‏

يقول تعالى‏:‏ ‏{‏ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده‏}‏ أي لا تتصرفوا في مال اليتيم إلا بالغبطة، ‏{‏ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا‏}‏‏.‏ وقد جاء في صحيح مسلم أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال لأبي ذر‏:‏ ‏(‏يا ابا ذر إني أراك ضعيفاً، وإني أحب لك ما أحب لنفسي، لا تأمرن على اثنين ولا تولين مال يتيم‏)‏ وقوله‏:‏ ‏{‏وأوفوا بالعهد‏}‏ أي الذي تعاهدون عليه الناس، والعقود التي تعاملونهم بها، فإن العهد والعقد كل منهما يسأل صاحبه عنه، ‏{‏إن العهد كان مسؤولا‏}‏ أي عنه‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏وأوفوا الكيل إذا كلتم‏}‏ أي من غير تطفيف، ولا تبخسوا الناس أشياءهم، ‏{‏وزنوا بالقسطاس‏}‏ وهو الميزان، قال مجاهد هو العدل بالرومية، وقوله‏:‏ ‏{‏المستقيم‏}‏ أي الذي لا اعوجاج فيه ولا انحراف، ولا اضطراب‏:‏ ‏{‏ذلك خير‏}‏ أي لكم في معاشكم ومعادكم، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏وأحسن تأويلا‏}‏ أي مآلاً ومنقلباً في آخرتكم، قال قتادة‏:‏ أي خير ثواباً وأحسن عاقبة، وكان ابن عباس يقول‏:‏ يا معشر الموالي إنكم وليتم أمرين بهما هلك الناس قبلكم‏:‏ هذا المكيال، وهذا الميزان‏.‏

 الآية رقم ‏(‏36‏)‏

‏{‏ ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا ‏}‏

قال ابن عباس‏:‏ لا تقل، وقال العوفي‏:‏ لا ترم أحداً بما ليس لك به علم، وقال قتادة‏:‏ لا تقل رأيت ولم تر، وسمعت ولم تسمع، وعلمت ولم تعلم، فإن اللّه تعالى سائلك عن ذلك كله، ومضمون ما ذكروه أن اللّه تعالى نهى عن القول بلا علم، بل بالظن الذي هو التوهم والخيال، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم‏}‏‏.‏ وفي الحديث‏:‏ ‏(‏إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث‏)‏ وفي سنن أبي داود‏:‏ ‏(‏بئس مطية الرجل زعموا‏)‏ وفي الحديث الآخر‏:‏ ‏(‏إن أفرى الفرى أن يُري الرجل عينيه ما لم تريا‏)‏ وفي الصحيح‏:‏ ‏(‏من تحلم حلماً كلف يوم القيامة

أن يعقد بين شعيرتين وليس بفاعل‏)‏ وقوله‏:‏ ‏{‏كل أولئك‏}‏ أي هذه الصفات من السمع والبصر والفؤاد ‏{‏كان عنه مسؤولا‏}‏ أي سيسأل العبد عنها يوم القيامة، وتسأل عنه‏.‏

 الآية رقم ‏(‏37 ‏:‏ 38‏)‏

‏{‏ ولا تمش في الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا ‏.‏كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها ‏}‏

يقول تعالى ناهياً عباده عن التجبر والتبختر في المشية‏:‏ ‏{‏ولا تمش في الأرض مرحا‏}‏ أي متبختراً متمايلاً مشي الجبارين، ‏{‏إنك لن تخرق الأرض‏}‏ أي لن تقطع الأرض بمشيك، ‏{‏ولن تبلغ الجبال طولا‏}‏‏:‏ أي بتمايلك وفخرك وإعجابك بنفسك، بل قد يجازى فاعل ذلك بنقيض قصده، كما ثبت في الصحيح‏:‏ ‏(‏بينما رجل يمشي فيمن كان قبلكم وعليه بردان يتبختر فيهما إذ خسف به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة‏)‏ وكذلك أخبر اللّه تعالى عن قارون أنه خرج على

قومه في زينته، وأن اللّه تعالى خسف به وبداره الأرض، وفي الحديث‏:‏ ‏(‏من تواضع للّه رفعه

اللّه فهو في نفسه حقير وعند الناس كبير‏)‏، ورأى البختري العابد رجلاً من آل علي يمشي

وهو يخطر في مشيته، فقال له‏:‏ يا هذا‏!‏ إن الذي أكرمك به لم تكن هذه مشيته، قال‏:‏ فتركها الرجل بعد‏.‏ ورأى ابن عمر رجلاً يخطر في مشيته، فقال‏:‏ إن للشياطين إخواناً، وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إذا مشت أمتي المطيطاء وخدمتهم فارس و الروم سلط بعضهم على بعض‏)‏ ‏"‏أخرجه ابن أبي الدنيا عن سعيد عن محسن‏"‏‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏كل ذلك كان سيئه عند ربك

مكروها‏}‏، أي كل هذا الذي ذكرناه من قوله‏:‏ ‏{‏وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه‏}‏ إلى هنا، فسيئه أي فقبيحه مكروه عند اللّه‏.‏

 الآية رقم ‏(‏39‏)‏

‏{‏ ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة ولا تجعل مع الله إلها آخر فتلقى في جهنم ملوما مدحورا ‏}‏

يقول تعالى هذا الذي أمرناك به من الأخلاق الجميلة، ونهيناك عنه من الصفات الرذيلة، مما حينا إليك يا محمد لتأمر به الناس، ‏{‏ولا تجعل مع اللّه إلها آخر فتلقى في جهنم ملوما‏}‏أي تلومك نفسك، ويلومك اللّه والخلق ‏{‏مدحورا‏}‏‏:‏ أي مبعداً من كل خير، قال ابن عباس وقتادة‏:‏ مطروداً، والمراد من هذا الخطاب الأمة بواسطة الرسول صلى اللّه عليه وسلم فإنه صلوات اللّه وسلامه عليه معصوم‏.‏

 الآية رقم ‏(‏40‏)‏

‏{‏ أفأصفاكم ربكم بالبنين واتخذ من الملائكة إناثا إنكم لتقولون قولا عظيما‏}‏

يقول تعالى راداً على المشركين الكاذبين الزاعمين - عليهم لعائن اللّه - أن الملائكة بنات اللّه، فجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً، ثم ادعوا أنهم بنات اللّه، ثم عبدوهم فأخطأوا في كل من المقامات الثلاث خطأ عظيماً، فقال تعالى منكراً عليهم‏:‏ ‏{‏أفأصفاكم ربكم بالبنين‏}‏ أي خصصكم بالذكور ‏{‏واتخذ من الملائكة إناثا‏}‏ أي واختار لنفسه على زعمكم البنات، ثم شدد الإنكار عليهم فقال‏:‏ ‏{‏إنكم لتقولون قولا عظيما‏}‏ أي في زعمكم أن للّه ولداً ثم جعلكم ولده الإناث التي تأنفون أن يكن لكم وربما قتلتموهن بالوأد، فتلك إذا قسمة ضيزى، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وقالوا اتخذ الرحمن ولدا * لقد جئتم شيئا إدا * تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا * أن دعوا للرحمن ولدا * ما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا * إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا * لقد أحصاهم وعدهم عدا * وكلهم آتيه يوم القيامة فردا‏}‏‏.‏

 الآية رقم ‏(‏41‏)

‏{‏ ولقد صرفنا في هذا القرآن ليذكروا وما يزيدهم إلا نفورا ‏}‏

يقول تعالى‏:‏ ‏{‏ولقد صرفنا في هذا القرآن من كل مثل‏}‏‏:‏ أي صرفنا فيه من الوعيد لعلهم يذكرون ما فيه من الحجج والبينات والمواعظ؛ فينزجرون عما هم فيه من الشرك والظلم والإفك ‏{‏وما يزيدهم‏}‏ أي الظالمين منهم ‏{‏إلا نفورا‏}‏ أي عن الحق وبعداً عنه‏.‏

 الآية رقم ‏(‏42 ‏:‏ 43‏)‏

‏{‏ قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا ‏.‏ سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا ‏}‏

يقول تعالى‏:‏ قل يا محمد لهؤلاء المشركين الزاعمين أن للّه شريكاً من خلقه العابدين معه غيره ليقربهم إليه زلفاً‏:‏ لو كان الأمر كما تقولون وأن معه آلهة تعبد لتقرب إليه وتشفع لديه، لكان

أولئك المعبودون يعبدونه ويتقربون إليه ويبتغون إليه الوسيلة والقربة، فاعبدوه أنتم وحده كما

يعبده من تدعونه من دونه، ولا حاجة لكم إلى معبود يكون واسطة بينكم وبينه، فإنه لا يحب ذلك

ولا يرضاه بل يكرهه ويأباه‏.‏ وقد نهى عن ذلك على ألسنة جميع رسله وأنبيائه، ثم نزه نفسه الكريمة وقدسها، فقال‏:‏ ‏{‏سبحانه وتعالى عما يقولون‏}‏ أي هؤلاء المشركون المعتدون الظالمون في زعمهم أن معه آلهة أُخرى ‏{‏علوا كبيرا‏}‏‏:‏ أي تعالياً كبيراً، بل هو الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد‏.‏

 الآية رقم ‏(‏44‏)‏

‏{‏ تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا ‏}‏

يقول تعالى تقدسه السماوات السبع والأرض ومن فيهن، أي من المخلوقات، وتنزهه وتعظمه ووتبجله وتكبره عما يقول هؤلاء المشركون، وتشهد له بالوحدانية في ربويته وإلهيته‏:‏

ففي كل شيء له آية * تدل على أنه واحد

كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا * أن دعوا للرحمن ولدا‏}‏‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏وإن من شيء إلا يسبح بحمده‏}‏ أي وما من شيء من المخلوقات إلا يسبح بحمد اللّه ‏{‏ولكن لا تفقهون تسبيحهم‏}‏ أي لا تفهمون تسبيحهم لأنها بخلاف لغاتكم، وهذا عام في الحيوانات والجمادات والنباتات، كما ثبت في صحيح البخاري عن ابن مسعود أنه قال‏:‏ كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل، وفي حديث أبي ذر أن النبي صلى اللّه عليه وسلم أخذ في يده حصيات فسمع لهن تسبيح كحنين النحل، وكذا في يد أبي بكر وعمر وعثمان رضي اللّه عنهم ‏"‏قال ابن كثير‏:‏ وهو حديث مشهور في المسانيد‏"‏‏.‏ وقال الإمام أحمد عن أنس رضي اللّه عنه عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه دخل على قوم وهم وقوف على دواب لهم ورواحل، فقال لهم‏:‏ ‏(‏اركبوها سالمة ودعوها سالمة، ولا تتخذوها كراسي لأحاديثكم في الطرق والأسواق، فرب مركوبة خير من راكبها، وأكثر ذكراً منه‏)‏ وفي سنن النسائي عن عبد اللّه بن عمرو قال‏:‏ نهى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن قتل الضفدع، وقال‏:‏ نقيقها تسبيح‏.‏ وعن جابر بن عبد اللّه رضي اللّه عنه قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏(‏ألا أخبركم بشيء أمر به نوح

ابنه‏؟‏ إن نوح عليه السلام قال لابنه‏:‏ يا بني آمرك أن تقول سبحان اللّه فإنها صلاة الخلق، وتسبيح الخلق، وبها يرزق الخلق‏)‏، قال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏وإن من شيء إلا يسبح بحمده‏}‏ ‏"‏أخرجه ابن جرير، قال ابن كثير‏:‏ في إسناده ضعف‏"‏‏.‏ وقال عكرمة في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإن من شيء إلا يسبح بحمده‏}‏ قال‏:‏ الأسطوانة تسبح، والشجرة تسبح، وقال بعض السلف‏:‏ صرير الباب تسبيحه، وخرير الماء تسبيحه‏.‏

وقال آخرون‏:‏ إنما يسبح من كان فيه روح من حيوان ونبات، قال قتادة في قوله‏:‏ ‏{‏وإن من شيء إلا يسبح بحمده‏}‏ قال‏:‏ كل شيء فيه روح يسبح من شجر أو شيء فيه، وقال الحسن والضحّاك‏:‏ كل شيء فيه الروح‏.‏ وقد يستأنس لهذا القول بحديث ابن عباس، أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مرّ بقبرين فقال‏:‏ ‏(‏إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستنزه من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة‏)‏، ثم أخذ جريدة رطبة فشقها نصفين، ثم غرز في كل قبر واحدة

ثم قال‏:‏ ‏(‏لعله يخفف عنهما ما لم يبسا ‏"‏أخرجه الشيخان عن ابن عباس مرفوعاً‏"‏، قال بعض من تكلم عن هذا الحديث من العلماء، إما قال ما لم ييبسا‏:‏ لأنهما يسبحان ما دام فيهما خضرة فإذا يبسا انقطع تسبيحهما، واللّه أعلم‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏إنه كان حليما غفورا‏}‏ أي إنه لا يعاجل من عصاه بالعقوبة، بل يؤجله وينظره، فإن استمر على كفره وعناده أخذه أخذ عزيز مقتدر كما جاء في الصحيحين‏:‏ ‏(‏إن اللّه ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته‏)‏، ثم قرأ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏{‏وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة‏}‏ الآية‏.‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وكأين من قرية أمليت لها وهي ظالمة‏}‏ الآية‏.‏ وقال‏:‏ ‏{‏وكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة‏}‏‏:‏ الآيتينن ومن أقلع عما هو فيه من كفر أو عصيان ورجع إلى اللّه وتاب إليه، تاب عليه كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر اللّه‏}‏ الآية‏.‏ وقال ههنا‏:‏ ‏{‏إنه كان حليما غفورا‏}‏ كما قال في آخر فاطر‏:‏ ‏{‏إن اللّه يمسك السماوات والأرض أن تزولا، ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده إنه كان حليما غفورا‏}‏ إلى أن قال‏:‏ ‏{‏ولو يؤاخذ اللّه الناس‏}‏ إلى آخر السورة‏.‏

 

">الآية رقم ‏(‏45 ‏:‏ 46‏)‏">

الآية رقم ‏(‏45 ‏:‏ 46‏)‏

‏{‏ وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا ‏.‏ وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا ‏}‏

يقول تعالى لرسوله محمد صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ وإذا قرأت يا محمد على هؤلاء المشركين القرآن ‏"‏أخرج ابن المنذر عن ابن شهاب قال‏:‏ كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذا تلا القرآن على مشركي قريش ودعاهم إلى الكتاب قالوا - يهزؤن به - قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه، وفي آذاننا وقر، ومن بيننا وبينك حجاب‏.‏ فأنزل اللّه في ذلك من قوله‏:‏ ‏{‏وإذا قرأت القرآن‏}‏ الآية‏"‏، جعلنا بينك وبينهم حجاباً مستوراً، قال قتادة وابن زيد‏:‏ هو الأكنة على قلوبهم، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب‏}‏‏:‏ أي مانع حائل أن يصل إلينا مما تقول شيء وقوله‏:‏ ‏{‏حجابا مستورا‏}‏ بمعنى ساتر، وقيل مستوراً عن الأبصار فلا تراه، وهو مع ذلك حجاب بينهم وبين الهدى‏.‏ عن أسماء بنت أبي بكر رضي اللّه تعالى عنها قالت‏:‏ لما نزلت ‏{‏تبت يد أبي لهب‏}‏ جاءت العوراء أم جميل، ولها ولولة وفي يدها فهر، وهي تقول‏:‏ مذمماً أبينا، ودينه قلينا، وأمره عصينا‏.‏ ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم جالس وأبي بكر إلى جنبه، فقال أبو بكر رضي اللّه عنه‏:‏ لقد أقلبت هذه وأنا أخاف أن تراك، فقال‏:‏ ‏(‏إنها لن تراني‏)‏، وقرأ قرآناً اعتصم به منها‏:‏ ‏{‏وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا‏}‏، قال‏:‏ فجاءت حتى قامت على أبي بكر، فلم تر النبي صلى اللّه عليه وسلم، فقالت يا أبا بكر‏:‏ بلغني أن صاحبك هجاني، فقال أبو بكر‏:‏ لا ورب هذا البيت، ما هجاك، قال فانصرفت وهي تقول‏:‏ لقد علمت قريش أني بنت سيدها ‏"‏أخرجه الحافظ أبو يعلى الموصلي عن أسماء بنت أبي بكر‏"‏‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏وجعلنا على قلوبهم أكنة‏}‏ وهي جمع كنان‏:‏ الذي يغشى القلب ‏{‏أن يفقهوه‏}‏‏:‏ أي لئلا يفهموا القرآن ‏{‏وفي آذانهم وقرا‏}‏ وهو الثقل الذي يمنعهم من سماع القرآن سماعاً ينفعهم ويهتدون به‏.‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده‏}‏ أي

إذا وحدت اللّه في تلاوتك وقلت‏:‏ لا إله إلا اللّه ‏{‏ولوا‏}‏ أي أدبروا راجعين ‏{‏على أدبارهم نفورا‏}‏، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وإذا ذكر اللّه وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة‏}‏ الآية، قال قتادة‏:‏ إن المسلمين لما قالوا‏:‏ لا إله إلا اللّه، أنكر ذلك المشركون وكبرت عليهم فضاقها إبليس وجنوده، فأبى اللّه إلا أن يمضيها ويعليها وينصرها ويظهرها على من ناوأها، إنها كلمة من خاصم بها فلج، ومن قاتل بها نصر، إنما يعرفها أهل هذه الجزيرة من المسلمين التي يقطعها الراكب في ليال قلائل، ويسير الدهر في فئام من الناس لا يعرفونها ولا يقرون بها‏.‏

 الآية رقم ‏(‏47 ‏:‏ 48‏)‏

‏{‏ نحن أعلم بما يستمعون به إذ يستمعون إليك وإذ هم نجوى إذ يقول الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا ‏.‏ انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا ‏}‏

يخبر تعالى نبيه محمداً صلى اللّه عليه وسلم بما يتناجى به رؤساء كفار قريش، حين جاءوا يستمعون قراءته سراً من قومهم بما قالوا‏:‏ من أنه رجل مسحور له رئي يأتيه بما استمعوه من الكلام الذي يتلوه، ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا‏}‏ أي فلا يهتدون إلى الحق ولا يجدون إليه مخلصاً، قال محمد بن إسحاق في السيرة‏:‏ إن أبا سفيان بن حرب، وأبا جهل بن هشام، والأخنس بن شريق خرجوا ليلة ليستمعوا من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو يصلي بالليل في بيته، فأخذ كل واحد منهم مجلساً يستمع فيه، وكل لا يعلم بمكان صاحبه، فباتوا يستمعون له حتى إذا طلع الفجر تفرقوا، حتى إذا جمعتهم الطريق

تلاوموا، وقال بعضهم لبعض‏:‏ لا تعودوا فلو رآكم بعض سفهائكم لأوقعتم في نفسه شيئاً، ثم انصرفوا حتى إذا كانت الليلة الثانية عاد كل رجل منهم إلى مجلسه، فباتوا يستمعون له حتى إذا طلع الفجر تفرقوا وجمعتهم الطريق، فقال بعضهم لبعض مثل ما قال أول مرة، ثم انصرفوا حتى إذا كانت الليلة الثالثة أخذ كل رجل مجلسه، فباتوا يستمعون له حتى إذا طلع الفجر تفرقوا فجمعتهم الطريق فقال بعضهم لبعض‏:‏ لا نبرح حتى نتعاهد لا نعود‏.‏ فتعاهدوا على ذلك ثم تفرقوا‏.‏ فلما أصبح الأخنس بن شريق أخذ عصاه ثم خرج حتى أتى أبا سفيان بن حرب في بيته، فقال‏:‏ أخبرني يا أبا حنظلة عن رأيك فيما سمعت من محمد، قال‏:‏ يا أبا ثعلبة، واللّه لقد سمعت أشياء أعرفها وأعرف ما يراد بها، وسمعت أشياء ما عرفت معناها ولا ما يراد بها، قال الأخنس‏:‏ وأنا والذي حلفت به، قال‏:‏ ثم خرج من عنده حتى أتى أبا جهل فدخل عليه بيته، فقال‏:‏ يا أبا الحكم ما رأيك فيما سمعت من محمد‏؟‏ قال‏:‏ ماذا سمعت‏؟‏ قال‏:‏ تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف‏:‏ أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا، حتى إذا تجاثينا على الركب وكنا كفرسي رهان، قالوا‏:‏ منا نبي يأتيه الوحي من السماء، فمتى ندرك هذه‏؟‏ واللّه لا نؤمن به أبداً ولا نصدقه، قال‏:‏ فقام عنه الأخنس وتركه‏.‏

 الآية رقم ‏(‏49 ‏:‏ 52‏)‏

‏{‏ وقالوا أئذا كنا عظاما ورفاتا أئنا لمبعوثون خلقا جديدا ‏.‏ قل كونوا حجارة أو حديدا ‏.‏ أو خلقا مما يكبر في صدوركم فسيقولون من يعيدنا قل الذي فطركم أول مرة فسينغضون إليك رؤوسهم ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريبا ‏.‏ يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده وتظنون إن لبثتم إلا قليلا ‏}‏

يقول تعالى مخبراً عن الكفار المستبعدين وقوع المعاد، القائلين استفهام إنكار منهم لذلك‏:‏ ‏{‏أئذا كنا عظاما ورفاتا‏}‏ أي تراباً، ‏{‏أئنا لمبعوثون خلقا جديدا‏}‏ أي يوم القيامة بعد ما بلينا وصرنا عدماً

لا نذكر، كما أخبر عنهم في الموضع الآخر‏:‏ ‏{‏يقولون إئنا لمردودون في الحافرة * أئذا كنا

عظاما نخرة * قالوا تلك إذا كرة خاسرة‏}‏، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وضرب لنا مثلا ونسي خلقه‏}‏ الآية، فأمر اللّه سبحانه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن يجيبهم، فقال‏:‏ ‏{‏قل كونوا حجارة أو حديدا‏}‏ إذ هما أشد امتناعا من العظام والرفات، ‏{‏أو خلقا مما يكبر في صدوركم‏}‏، عن مجاهد‏:‏ سألت ابن عباس عن ذلك فقال‏:‏ هو الموت، وعن ابن عمر أنه قال في تفسير هذه الآية لو كنتم موتى لأحييتكم وكذلك قال سعيد بن جبير والحسن وقتادة والضحّاك وغيرهم ، ومعنى ذلك أنكم لو فرضتم أنكم لو صرتم إلى الموت الذي هو ضد الحياة لأحياكم اللّه إذا شاء فإنه لا يمتنع عليه شيء إذا أراده‏.‏ وقال مجاهد ‏{‏أو خلقا مما يكبر في صدوركم‏}‏‏:‏ يعني السماء والأرض والجبال، وفي رواية‏:‏ ما شئتم فكونوا فسيعيدكم اللّه بعد موتكم، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فسيقولون من يعيدنا‏}‏‏:‏ أي من يعيدنا إذا كنا حجارة أو حديداً أو خلقاً آخر شديداً ‏{‏قل الذي فطركم أول مرة‏}‏ أي الذي خلقكم ولم تكونوا شيئاً مذكوراً، ثم صرتم بشراً تنتشرون، فإنه قادر على إعادتكم ولو صرتم إلى أي حال‏:‏ ‏{‏وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه‏}‏ الآية، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فسينغضون إليك رؤوسهم‏}‏‏.‏ قال ابن عباس وقتادة‏:‏ يحركونها استهزاءً، والإنغاض هو التحرك من أسفل إلى أعلى، أو من أعلى إلى أسفل، يقال نغضت سنه‏:‏ إذا تحركت وارتفعت من منبتها‏.‏ وقال الراجز‏:‏ ونغضت من هرم أسنانها‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏ويقولون متى هو‏}‏ إخبار عنهم بالاستبعاد منهم لوقوع ذلك كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏ويقولون

متى هذا الوعد إن كنتم صادقين‏}‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏قل عسى أن يكون قريبا‏}‏ أي احذروا ذلك فإنه قريب إليكم سيأتيكم لا محالة، فكل ما هو آت قريب، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏يوم يدعوكم‏}‏ أي الرب تبارك وتعالى، ‏{‏إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا

أنتم تخرجون‏}‏‏:‏ أي إذا أمركم بالخروج منها فإنه لا يخالف ولا يمانع، بل كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر‏}‏، ‏{‏إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كُنْ فيكون‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏فإنما هي زجرة واحدة * فإذا هم بالساهرة‏}‏ أي إنما هو أمر واحد بانتهار، فإذا الناس قد خرجوا من باطن الأرض إلى ظاهرها، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده‏}‏‏:‏ أي تقومون كلكم إجابة لأمره وطاعة لإرادته، قال ابن عباس ‏{‏فتستجيبون بحمده‏}‏ ‏:‏ أي بأمره، وقال قتادة‏:‏ بمعرفته وطاعته، وقال بعضهم ‏{‏يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده‏}‏‏:‏ أي وله الحمد في كل حال، وقد جاء في الحديث‏:‏ ‏(‏ليس على أهل لا إله إلا اللّه وحشة في قبورهم، كأني بأهل لا إله إلا اللّه يقومون من قبورهم ينفضون التراب عن رؤوسهم يقولون لا إله إلا اللّه‏)‏ وفي رواية يقولون‏:‏ ‏(‏الحمد للّه الذي أذهب عنا الحزن‏)‏ ‏"‏الرواية الثانية‏:‏ أخرجها الطبراني عن ابن عمر‏"‏، وقوله تعالى ‏{‏وتظنون‏}‏‏:‏ أي يوم تقومون من قبوركم، ‏{‏إن لبثتم‏}‏ أي في الدار الدنيا، ‏{‏إلا قليلا‏}‏ كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏كأنهم يوم

يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها‏}‏‏.‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏نحن أعلم بما يقولون إذ يقول أمثلهم طريقة إن لبثتم إلا يوما‏}‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة‏}‏‏.‏

 الآية رقم ‏(‏ 53 ‏)‏

‏{‏ وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم إن الشيطان كان للإنسان عدوا مبينا ‏}‏

يأمر تبارك وتعالى رسوله صلى اللّه عليه وسلم أن يأمر عباد اللّه المؤمنين، أن يقولوا في مخاطبتهم ومحاوراتهم الكلام الأحسن، والكلمة الطيبة، فإنهم إن لم يفعلوا ذلك نزغ الشيطان بينهم، وأخرج الكلام إلى الفعال، ووقع الشر والمخاصمة والمقاتلة، فإنه عدّو لآدم وذريته من حين امتنع من السجود لآدم، وعدواته ظاهرة بينة، ولهذا نهى أن يشير الرجل إلى أخيه المسلم بحديدة فإن الشيطان ينزغ في يده فربما أصابه بها، ففي الحديث‏:‏ ‏(‏لا يشيرن أحدكم إلى أخيه بالسلاح فإنه لا يدري أحدكم لعل الشيطان أن ينزغ في يده فيقع في حفرة من النار‏)‏ ‏"‏رواه أحمد وأخرجه البخاري ومسلم من حديث عبد الرزاق‏"‏‏.‏ وفي الحديث‏:‏ ‏(‏المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله؛ التقوى ههنا‏)‏، قال حماد‏:‏ وقال بيده إلى صدره‏:‏ ‏(‏وما تواد رجلان في اللّه ففرق بيبنهما إلا حدثٌ يحدثه أحدهما، والمحدث شر، والمحدث شر، والمحدث شر‏)‏ ‏"‏أخرجه الإمام أحمد‏"‏‏.‏

 الآية رقم ‏(‏54 ‏:‏ 55‏)‏

‏{‏ ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم أو إن يشأ يعذبكم وما أرسلناك عليهم وكيلا ‏.‏ وربك أعلم بمن في السماوات والأرض ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض وآتينا داود زبورا ‏}‏

يقول تعالى‏:‏ ‏{‏ربكم أعلم بكم‏}‏ أيها الناس، أي أعلم بمن يستحق منكم الهداية ومن لا يستحق، ‏{‏إن يشأ يرحمكم‏}‏ بأن يوفقكم لطاعته والإنابة إليه، ‏{‏أو إن يشأ يعذبكم وما أرسلناك‏}‏ يا محمد ‏{‏عليهم وكيلا‏}‏ أي إنما أرسلناك نذيراً، فمن أطاعك دخل الجنة، ومن عصاك دخل النار‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏وربك أعلم بمن في السماوات والأرض‏}‏ أي بمراتبهم في الطاعة والمعصية، ‏{‏ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض‏}‏، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض‏}‏، وهذا لا ينافي ما ثبت في الصحيحين أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏لا تفضلوا بين الأنبياء‏)‏، فإن المراد من ذلك هو التفضيل بمجرد التشهي والعصبية، لا بمقتضى الدليل، فإن دل الدليل على شيء وجب اتباعه، ولا خلاف أن الرسل أفضل من بقية الأنبياء، وأن أولي العزم منهم أفضل، وهم الخمسة المذكورون نصاً في آيتين من القرآن في سورة الأحزاب ‏{‏وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح ومن إبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم‏}‏‏.‏ وفي الشورى في قوله‏:‏ ‏{‏شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم، وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه‏}‏، ولا خلاف أن محمداً صلى اللّه عليه وسلم أفضلهم، ثم بعده إبراهيم، ثم موسى، ثم عيسى عليهم السلام على المشهور، وقد بسطناه بدلائله في غير هذا الموضع واللّه الموفق‏.‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وآتينا داود زبورا‏}‏ تنبيه على فضله وشرفه، عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏خفف على داود القرآن فكان يأمر بدوابه فتسرج فكان يقرؤه قبل أن يفرغ‏)‏ ‏"‏رواه البخاري عن أبي هريرة مرفوعاً‏"‏يعني القرآن‏.‏

 الآية رقم ‏(‏56 ‏:‏ 57‏)‏

‏{‏ قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا ‏.‏ أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا ‏}‏

يقول تعالى ‏{‏قل‏}‏ يا محمد لهؤلاء المشركين الذين عبدوا غير اللّه ‏{‏ادعوا الذين زعمتم من دونه‏}‏ من الأصنام والأنداد فارغبوا إليهم، فإنهم ‏{‏لا يملكون كشف الضر عنكم‏}‏ أي بالكلية، ‏{‏ولا تحويلا‏}‏ أي بأن يحولوه إلى غيركم، والمعنى أن الذي يقدر على ذلك هو اللّه وحده لا شريك له الذي له الخلق والأمر، قال ابن عباس‏:‏ كان أهل الشرك يقولون‏:‏ نعبد الملائكة والمسيح وعزيراً، وهم الذين يدعون، يعني الملائكة، والمسيح وعزيراً، وروى البخاري عن عبد اللّه بن مسعود في قوله‏:‏ ‏{‏أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة‏}‏ قال ناس من الجن كانوا يعبدون فأسلموا، وفي رواية قال‏:‏ كان ناس من الإنس يعبدون ناساً من الجن فأسلم الجن وتمسك هؤلاء بدينهم‏.‏ وقال قتادة، عن ابن مسعود في قوله‏:‏ ‏{‏أولئك الذين يدعون‏}‏ الآية قال‏:‏ نزلت في نفر من العرب كانوا يعبدون نفراً من الجن فأسلم الجنيون، والإنس الذين كانوا يعبدونهم لا يشعرون بإسلامهم، فنزلت هذه الآية‏.‏ وفي رواية عن ابن مسعود‏:‏ كانوا يعبدون صنفاً من الملائكة يقال لهم الجن فذكره، وقال ابن عباس‏:‏ هم عيسى وعزير والشمس والقمر، وقال مجاهد‏:‏ عيسى والعزير والملائكة، واختار ابن جرير قول ابن مسعود لقوله‏:‏ ‏{‏يبتغون إلى ربهم الوسيلة‏}‏ وهذا لا يعبر به عن الماضي، فلا يدخل فيه عيسى والعزير والملائكة، وقال‏:‏ والوسيلة هي القربة، كما قال قتادة، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏أيهم أقرب‏}‏، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ويرجون رحمته ويخافون عذابه‏}‏ لا تتم العبادة إلا بالخوف والرجاء، فبالخوف ينكف عن المناهي، وبالرجاء يكثر من الطاعات، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إن عذاب ربك كان محذورا‏}‏ أي ينبغي أن يحذر منه ويخاف من وقوعه وحصوله عياذاً باللّه منه‏.‏

 الآية رقم ‏(‏58‏)‏

‏{‏ وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة أو معذبوها عذابا شديدا كان ذلك في الكتاب مسطورا ‏}‏

هذا إخبار من اللّه عزَّ وجلَّ بأنه قد حتم وقضى بما قد كتب عنده في اللوح المحفوظ، أنه ما من قرية إلا سيهلكها، بأن يبيد أهلها أو يعذبهم ‏{‏عذابا شديدا‏}‏ إما بقتل أو ابتلاء بما يشاء، وإنما يكون ذلك بسبب ذنوبهم وخطاياهم، كما قال تعالى عن الأمم الماضين‏:‏ ‏{‏وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم‏}‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏فذاقت وبال أمرها وكان عاقبة أمرها خسرا‏}‏، وقال‏:‏ ‏{‏وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله‏}‏ الآيات‏.‏

 الآية رقم ‏(‏59‏)‏

‏{‏ وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها وما نرسل بالآيات إلا تخويفا ‏}‏

عن ابن عباس قال‏:‏ سأل أهل مكة النبي صلى اللّه عليه وسلم أن يجعل لهم الصفا ذهباً، وأن ينحي لهم الجبال عنهم فيزرعوا، فقيل له‏:‏ إن شئت أن نستأني بهم، وإن شئت أن يأتيهم الذي سألوا، فإن كفروا هلكوا، كما هلكت من كان قبلهم من الأمم‏.‏ قال‏:‏ ‏(‏لا، بل أستأن بهم‏)‏، وأنزل اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون‏}‏ ‏"‏أخرجه أحمد والنسائي عن ابن عباس‏"‏الآية‏.‏ وعن ابن عباس قال، قالت قريش للنبي صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ادع لنا ربك أن يجعل لنا الصفا ذهباً، ونؤمن بك قال‏:‏ ‏(‏وتفعلون‏؟‏‏)‏ قالوا‏:‏ نعم، قال، فدعا فأتاه جبريل، فقال‏:‏ إن

ربك يقرأ عليك السلام، ويقول لك‏:‏ إن شئت أصبح لهم الصفا ذهباً، فمن كفر بعد ذلك عذبته عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين، وإن شئت فتحت لهم أبواب التوبة والرحمة، فقال‏:‏ ‏(‏بل باب التوبة والرحمة‏)‏

وقال الحافظ أبو يعلى في مسنده‏:‏ لما نزلت ‏{‏وأنذر عشيرتك الأقربين‏}‏ صاح رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على أبي قبيس‏:‏ ‏(‏يا آل عبد مناف إني نذير‏)‏ فجاءته قريش فحذرهم وأنذرهم، فقالوا‏:‏ تزعم أنك نبي يوحى إليك وإن سليمان سخر له الريح والجبال، وإن موسى سخر له البحر، وإن عيسى كان يحيي الموتى، فادع اللّه أن يسير عنا هذه الجبال ويفجر لنا الأرض أنهاراً فنتخذ محارث فنزرع ونأكل، وإلا فادع اللّه أن يحيي لنا موتانا لنكلمهم ويكلمونا، وإلا فادع اللّه أن يصير لنا هذه الصخرة التي تحتك ذهباً فننحت منها وتغنينا عن رحلة الشتاء والصيف، فإنك تزعم أنك كهيئتهم‏.‏ قال، فبينا نحن حوله إذ نزل عليه الوحي فلما سري عنه قال‏:‏ ‏(‏والذي نفسي بيده لقد أعطاني ما سألتم، ولو شئت لكان، ولكنه خيرني بين أن تدخلوا باب الرحمة فيؤمن مؤمنكم، وبين أن يكلكم إلى ما اخترتم لأنفسكم فتضلوا عن باب الرحمة فلا يؤمن منكم أحد‏.‏ فاخترت باب الرحمة فيؤمن مؤمنكم، وأخبرني أنه أعطاكم ذلك ثم كفرتم أنه يعذبكم عذاباً لا يعذبه أحد من العالمين‏)‏، ونزلت‏:‏ ‏{‏وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون‏}‏، وقرأ ثلاث آيات، ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏وما منعنا أن نرسل بالآيات‏}‏ أي نبعث الآيات ونأتي بها على ما سأل قومك منك، فإنه يسير لدينا، إلا أنه قد كذب بها الأولون بعد ما سألوها، وجرت سنتنا فيهم وفي أمثالهم أنهم لا يؤخرون إن كذبوا بها بعد نزولها، كما قال تعالى في المائدة‏:‏ ‏{‏قال اللّه إني منزلها عليكم فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين‏}‏، وقال تعالى عن ثمود حين سألوا الناقة‏:‏ ‏{‏قال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب‏}‏، ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها‏}‏‏:‏ أي دالة على وحدانية من خلقها وصدق رسوله ‏{‏فظلموا بها‏}‏ أي كفروا بها ومنعوها شربها وقتلوها، فأبادهم اللّه عن آخرهم، وانتقم منهم وأخذهم أخذ عزيز مقتدر‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وما نرسل بالآيات إلا تخويفا‏}‏ قال قتادة‏:‏ إن اللّه تعالى يخوف الناس بما شاء من الآيات لعلهم يعتبرون، ويذكرون ويرجعون، ‏"‏أخرج أبو يعلى عن أم هانئ‏:‏ أنه صلى اللّه عليه وسلم، لما أسري به أصبح يحدث نفراً من قريش يستهزئون به، فطلبوا منه آية فوصف لهم بيت المقدس وذكر لهم قصة العير، فقال الوليد بن المغيرة‏:‏ هذا ساحر، فأنزل اللّه‏:‏ ‏{‏وما جعلنا الرؤيا‏}‏ الآية‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن الحسن ونحوه‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن الحسين بن علي‏:‏ أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أصبح يوماً مهموماً، فقيل له‏:‏ ما لك يا رسول اللّه‏؟‏ لا تهتم فإن رؤياك فتنة لهم فأنزل اللّه‏:‏ ‏{‏وجعلنا‏}‏ الآية‏.‏ وأخرج ابن جرير من حديث سهل بن سعد نحوه، وأخرج ابن أبي حاتم من حديث عمرو بن العاص، ومن حديث يعلى بن قرة، ومن مرسل

سعيد بن المسيب نحوها‏.‏ قال السيوطي‏:‏ وأسانيدها ضعيفة‏.‏‏"‏، ذكر لنا أن الكوفة رجفت على عهد ابن مسعود رضي اللّه عنه، فقال‏:‏ يا أيها الناس إن ربكم يستعتبكم فأعتبوه، وهكذا روي أن المدينة زلزلت على عهد عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه مرات، فقال عمر أحدثتم واللّه لئن عادت لأفعلن ولأفعلن، وفي الحديث المتفق عليه‏:‏ ‏(‏إن الشمس والقمر آيتان من آيات اللّه وإنهما لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، ولكن اللّه عزَّ وجلَّ يخوف بهما عباده؛ فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى ذكره ودعائه واستغفاره - ثم قال - يا أمة محمد واللّه ما أحد أغيرَ من اللّه أن يزني عبده أو تزني أمته، يا أمة محمد واللّه لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً‏)

 الآية رقم ‏(‏60‏)‏

‏{‏ وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا ‏}‏

يقول تعالى لرسوله صلى اللّه عليه وسلم محرضاً له على إبلاغ رسالته، ومخبراً له بأنه قد عصمه من الناس فإنه القادر عليهم وهم في قبضته وتحت قهره وغلبته‏.‏ قال مجاهد والحسن

قتادة في قوله‏:‏ ‏{‏إن ربك أحاط بالناس‏}‏ أي عصمك منهم‏.‏ قال البخاري، عن ابن عباس ‏{‏وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس‏}‏ قال‏:‏ هي رؤيا عين أريها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ليلة أسري به، ‏{‏والشجرة الملعونة في القرآن‏}‏ شجرة الزقوم ‏"‏أخرجه البخاري والإمام أحمد‏"‏، ‏{‏إلا فتنة‏}‏‏:‏ أي اختباراً وامتحاناً، وأما الشجرة الملعونة فهي شجرة الزقوم ‏"‏أخرج ابن أبي حاتم والبيهقي في البعث عن ابن عباس قال‏:‏ لما ذكر اللّه هذا الزقوم، خوف به هذا الحي من قريش، قال أبو جهل‏:‏ هل تدرون ما هذا الزقوم الذي خوفكم به محمد‏؟‏ قالوا‏:‏ لا‏.‏ قال‏:‏ الثريد بالزبد، أما لئن أمكننا منها لنزقمنها زقماً، فأنزل اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏والشجرة الملعونة‏}‏ الآية، وأنزل‏:‏

{‏إن شجرة الزقوم طعام الأثيم‏}‏‏"‏، لما أخبرهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه رأى الجنة

والنار، ورأى شجرة الزقوم فكذبوا بذلك، حتى قال أبو جهل عليه لعائن اللّه‏:‏ هاتوا لنا تمراً

وزبداً، وجعل يأكل من هذا بهذا ويقول‏:‏ تزقموا فلا نعلم الزقوم غير هذا روي ذلك عن ابن عباس ومسروق والحسن البصري وغير واحد ، وكل من قال إنها ليلة الإسراء فسره كذلك بشجرة الزقوم، واختار ابن جرير أن المراد بذلك ليلة الإسراء، وأن الشجرة الملعونة هي شجرة الزقوم، قال لإجماع الحجة من أهل التأويل على ذلك، أي في الرؤيا والشجرة، وقوله ‏{‏ونخوفهم‏}‏‏:‏ أي الكفار، بالوعيد والعذاب والنكال، ‏{‏فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا‏}‏‏:‏ أي تمادياً فيما هم فيه من الكفر والضلال، وذلك من خذلان اللّه لهم‏.‏

 الآية رقم ‏(‏61 ‏:‏ 62‏)‏

‏{‏ وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس قال أأسجد لمن خلقت طينا ‏.‏ قال أرأيتك هذا الذي كرمت علي لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلا ‏}‏

يذكر تبارك وتعالى عدواة إبليس لعنه اللّه لآدم وذريته وأنها عدواة قديمة منذ خلق آدم، فإنه تعالى أمر الملائكة بالسجود لآدم فسجدوا كلهم إلا إبليس استكبر وأبى أن يسجد له، افتخاراً عليه واحتقاراً له ‏{‏قال أأسجد لمن خلقت طينا‏}‏، كما قال في الآية الأخرى‏:‏ ‏{‏أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين‏}‏، وقال أيضاً‏:‏ أرأيتك، يقول للرب جراءة وكفراً، والرب يحلو وينظر ‏{‏قال أرأيتك هذا الذي كرمت علي‏}‏ الآية، قال ابن عباس ‏{‏لأحتنكن‏}‏ يقول‏:‏ لأستولين على ذريته إلا قليلا‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ لأحتوين، وقال ابن زيد‏:‏ لأضلنهم، وكلها متقاربة، والمعنى‏:‏ أرأيتك هذا الذي شرفته وعظمته عليّ، لئن أنظرتني لأضلن ذريته إلا قليلاً منهم‏.‏

 الآية رقم ‏(‏63 ‏:‏ 65‏)

‏{‏ قال اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفورا ‏.‏ واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا ‏.‏ إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلا ‏}‏

لما سأل إبليس النظرة قال اللّه له ‏{‏اذهب‏}‏ فقد أنظرتك، كما قال في الآية الأخرى ‏{‏فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم‏}‏، ثم أوعده ومن اتبعه من ذرية آدم جهنم ‏{‏قال اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم‏}‏ أي على أعمالكم ‏{‏جزاء موفورا‏}‏ قال مجاهد‏:‏ وافراً، وقال قتادة‏:‏موفوراً عليكم لا ينقص لكم منه، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏واستفزز من استطعت منهم بصوتك‏}‏ قيل‏:‏ هو الغناء‏.‏ قال مجاهد باللهو والغناء، أي استخفهم بذلك، وقال ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏واستفزز من استطعت منهم بصوتك‏}‏ قال‏:‏ كل داع دعا إلى معصية اللّه عزَّ وجلَّ، واختاره ابن جرير، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وأجلب عليهم بخيلك ورجلك‏}‏ يقول‏:‏ واحمل عليهم بجنودك خيالتهم ورجلتهم، فإن الرجل جمع راجل، كما أن الركب جمع راكب، ومعناه تسلط عليهم بكل ما تقدر عليه، وهذا أمر قدري، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا‏}‏ أي تزعجهم إلى المعاصي إزعاجاً وتسوقهم إليها سوقاً‏.‏ وقال قتادة‏:‏ إن له خيلاً ورجالاً من الجن والإنس وهم الذين يطيعونه، تقول العرب‏:‏ أجلب فلان على فلان إذا صاح عليه، ومنه نهى في المسابقة عن الجلب والجنب، ومنه اشتقاق الجلبة، وهي ارتفاع الأصوات، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وشاركهم في الأموال والأولاد‏}‏ قال ابن عباس ومجاهد‏:‏ هو ما أمرهم به من إنفاق الأموال في معاصي اللّه تعالى، وقال عطاء‏:‏ هو الربا، وقال الحسن‏:‏ هو جمعها من خبيث وإنفاقها في حرام، والآية تعم ذلك كله، وقوله‏:‏ ‏{‏والأولاد‏}‏ يعني أولاد الزنا قاله ابن عباس ومجاهد والضحّاك ، وقال ابن عباس‏:‏ هو ما كانوا قتلوه من أولادهم سفهاً بغير علم، وقال الحسن البصري‏:‏ قد واللّه شاركهم في الأموال والأولاد، مجَّسوا وهوّدوا ونصَّروا وصبغوا غير صبغة الإسلام، وجزأوا من أموالهم جزءاً للشيطان، وقال أبو صالح عن ابن عباس‏:‏ هو تسميتهم أولادهم عبد الحارث وعبد شمس وعبد فلان‏.‏

قال ابن جرير‏:‏ وأولى الأقوال بالصواب أن يقال كل مولود ولدته أنثى عصي اللّه فيه بتسميته بما يكرهه اللّه، أو بإدخاله في غير الدين الذي ارتضاه اللّه، أو بالزنا بأمه، أو بقتله أو وأده، أو غير ذلك من الأمور التي يعصى اللّه بفعله به، فقد دخل في مشاركة إبليس فيه لأن اللّه لم يخصص بقوله‏:‏ ‏{‏وشاركهم في الأموال والأولاد‏}‏ معنى الشركة فيه، بمعنى دون معنى، فكل ما عصي اللّه فيه أو به، أو أطيع الشيطان فيه أو به فهو مشاركة، وهذا الذي قاله متجه، وكل من السلف رحمهم اللّه فسر بعض المشاركة، وفي الصحيحين أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏لو أن أحدهم إذا أراد أن يأتي أهله قال باسم اللّه، اللهم جنبا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا فإنه إن يقدر بينهما ولد في ذلك لم يضره الشيطان أبداً‏)‏، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا‏}‏ كما أخبر تعالى عن إبليس أنه يقول، إذا حصحص الحق يوم يقضى بالحق‏:‏ ‏{‏إن اللّه وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم‏}‏ الآية‏.‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إن عبادي ليس لك عليهم سلطان‏}‏ إخبار بتأييده تعالى عباده المؤمنين وحفظه إياهم وحراسته لهم من الشيطان الرجيم، ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏وكفى بربك وكيلا‏}‏ أي حافظاً ومؤيداً ونصيراً‏.‏ وفي الحديث‏:‏ ‏(‏إن المؤمن لينضي شياطينه كما ينضي أحدكم بعيره في السفر‏)‏ ‏"‏رواه أحمد عن أبي هريرة مرفوعاً‏"‏ينضي أي يأخذ بناصيته ويقهره‏.‏

 الآية رقم ‏(‏66‏)‏

‏{‏ ربكم الذي يزجي لكم الفلك في البحر لتبتغوا من فضله إنه كان بكم رحيما ‏}‏

يخبر تعالى عن لطفه بخلقه في تسخيره لعباده الفلك في البحر وتسهيله لمصالح عباده، لابتغائهم من فضله في التجارة من إقليم إلى إقليم، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏إنه كان بكم رحيما‏}‏ أي إنما فعل هذا بكم من فضله عليكم ورحمته بكم‏.‏

 الآية رقم ‏(‏67‏)‏

‏{‏ وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الإنسان كفورا ‏}‏

يخبر تبارك وتعالى أن الناس إذا مسهم ضر دعوه منيبين إليه مخلصين له الدين، ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه‏}‏ أي ذهب عنقلوبكم كل ما تعبدون غير اللّه تعالى، كما اتفق لعكرمة بن أبي جهل لما ذهب فاراً من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حين فتح مكة، فذهب هارباً فركب في البحر ليدخل الحبشة فجاءتهم ريح عاصف فقال القوم بعضهم لبعض‏:‏ إنه لا يغني عنكم إلا أن تدعو اللّه وحده، فقال عكرمة في نفسه، واللّه إن كان لا ينفع في البحر غيره فإنه لا ينفع في البر غيره، اللهم لك عليّ عهد لئن أخرجتني منه لأذهبن فلأضعن يدي في يد محمد فلأجدنه رؤوفاً رحيماً، فخرجوا من البحر فرجع إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فأسلم وحسن إسلامه رضي اللّه عنه وأرضاه، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فلما نجاكم إلى البر أعرضتم‏}‏ أي نسيتم ما عرفتم من توحيده في البحر، وأعرضتم عن دعائه وحده لا شريك له ‏{‏وكان الإنسان كفورا‏}‏ أي سجيته هذا، ينسى النعم ويجحدها إلا من عصم اللّه‏.‏

 الآية رقم ‏(‏68‏)

‏{‏ أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر أو يرسل عليكم حاصبا ثم لا تجدوا لكم وكيلا ‏}‏

يقول تعالى أفحسبتم بخروجكم إلى البر، أمنتم من انتقامه وعذابه أن يخسف بكم جانب البر، أو يرسل عليكم حاصباً، وهو المطر الذي فيه حجارة قاله مجاهد وغير واحد من السلف ، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏إنا أرسلنا عليهم حاصبا إلا آل لوط نجيناهم بسحر‏}‏، وقال‏:‏ ‏{‏وأمطرنا عليهم حجارة من طين‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏ثم لا تجدوا لكم وكيلا‏}‏ أي ناصراً يرد ذلك عنكم وينقذكم منه‏.‏

 الآية رقم ‏(‏69‏)‏

‏{‏ أم أمنتم أن يعيدكم فيه تارة أخرى فيرسل عليكم قاصفا من الريح فيغرقكم بما كفرتم ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعا ‏}‏

يقول تبارك وتعالى‏:‏ أم أمنتم أيها المعرضون عنا، بعدما اعترفوا بتوحيدنا في البحر، وخرجوا إلى البر، أن يعيدكم في البحر مرة ثانية، ‏{‏فيرسل عليكم قاصفا من الريح‏}‏ أي يقصف الصواري ويغرق المراكب، قال ابن عباس وغيره‏:‏ القاصف ريح البحار التي تكسر المراكب وتغرقها، وقوله ‏{‏فيغرقكم بما كفرتم‏}‏‏:‏ أي بسبب كفركم وإعراضكم عن اللّه تعالى، وقوله‏:‏ ‏{‏ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعا‏}‏، قال ابن عباس‏:‏ نصيراً، وقال مجاهد‏:‏ نصيراً ثائراً، أي يأخذ بثأركم بعدكم‏.‏ وقال قتادة‏:‏ولا نخاف أحداً يتبعنا بشيء من ذلك‏.‏

 الآية رقم ‏(‏70‏)‏

‏{‏ ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا ‏}‏

يخبر تعالى عن تشريفه لبني آدم وتكريمهم إياهم في خلقه لهم على أحسن الهيئات وأكملها، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم‏}‏ أي يمشي قائماً منتصباً على رجليه، ويأكل بيديه، وغيره من الحيوانات يمشي على أربع، ويأكل بفمه، وجعل له سمعاً وبصراً وفؤاداً يفقه بذلك كله وينتفع به، ويفرق بين الأشياء وخواصها ومضارها في الأمور الدينية والدنيوية، ‏{‏وحملناهم في البر‏}‏ أي على الدواب من الأنعام والخيل والبغال، وفي البحر أيضاً على السفن الكبار والصغار، ‏{‏ورزقناهم من الطيبات‏}‏ أي من زروع وثمار ولحوم وألبان من سائر أنواع الطعوم والألوان المشتهاة اللذيذة، والمناظر الحسنة، والملابس الرفيعة من سائر الأنواع على اختلاف أصنافها وألوانها وأشكالها مما يصنعونه لأنفسهم ويجلبه إليهم غيرهم من أقطار الأقاليم والنواحي، ‏{‏وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا‏}‏ أي من سائر الحيوانات وأصناف المخلوقات‏.‏ وقد استدل بهذه الآية الكريمة على أفضلية جنس البشر على جنس الملائكة‏.‏ عن عبد اللّه بن عمرو عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏إن الملائكة قالت‏:‏ يا ربنا‏!‏ أعطيت بني آدم الدنيا، يأكلون فيها ويشربون ويلبسون، ونحن نسبّح بحمدك ولا نأكل ولا نشرب ولا نلهو، فكما جعلت لهم الدنيا فاجعل لنا الآخرة، قال‏:‏ لا أجعل صالح ذرية من خلقت بيدي كمن قلت له كن فكان‏)‏ ‏"‏رواه الحافظ الطبراني وأخرجه عبد الرزاق عن زيد بن مسلم موقوفاً وابن عساكر عن أنَس بن مالك مرفوعاً‏"‏‏.‏

 الآية رقم ‏(‏71 ‏:‏ 72‏)‏

‏{‏ يوم ندعوا كل أناس بإمامهم فمن أوتي كتابه بيمينه فأولئك يقرؤون كتابهم ولا يظلمون فتيلا ‏.‏ ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا ‏}‏

يخبر تبارك وتعالى عن يوم القيامة أنه يحاسب كل أمة بإمامهم، وقد اختلفوا في ذلك، فقال مجاهد وقتادة‏:‏ أي بنبيهم، وهذا كقوله‏:‏ ‏{‏ولكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط‏}‏ الآية، وقال بعض السلف‏:‏ هذا أكبر شرف لأصحاب الحديث، لأن أمامهم النبي صلى اللّه عليه وسلم، وقال ابن زيد‏:‏ بكتابهم الذي أنزل على نبيهم واختاره ابن جرير، وروي عن مجاهد أنه قال‏:‏ بكتبهم، فيحتمل أن يكون أراد ما روي عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏يوم ندعوا كل أناس بإمامهم‏}‏ أي بكتاب أعمالهم وهو قول أبي العالية والحسن والضحّاك ، وهذا القول هو الأرجح، لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وكل شيء أحصيناه في إمام مبين‏}‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه‏}‏ الآية، ويحتمل أن المراد ‏{‏بإمامهم‏}‏ أي كل قوم بمن يأتمون به، فأهل الإيمان ائتموا بالأنبياء عليهم السلام، وأهل الكفر ائتموا بأئمتهم، كما قال‏:‏ ‏{‏وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار‏}‏‏.‏ وفي الصحيحين‏:‏ ‏(‏لتَّتبعْ كل أمة ما كانت تعبد، فيتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت‏)‏ الحديث، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون‏}‏‏.‏ وهذا لا ينافي أن يجاء بالنبي إذا حكم اللّه بين أمته، فإنه لا بدّ أن يكون شاهداً على أمته بأعمالها، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وأشرقت الأرض بنور ربها ووضع الكتاب وجيء بالنبيين والشهداء‏}‏‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا‏}‏، ولكن المراد ههنا بالإمام هو كتاب الأعمال، ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏يوم ندعو كل أناس بإمامهم فمن أوتي كتابه بيمينه فأولئك يقرأون كتابهم‏}‏ أي من فرحته وسروره بما فيه من العمل الصالح يقرؤه ويحب قراءته، كقوله‏:‏ ‏{‏فأما من أوتي كتبه بيمينه فيقول هاؤم اقرأوا كتابيه‏}‏ الآيات، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا يظلمون فتيلا‏}‏ الفتيل‏:‏ هو الخيط المستطيل في شق النواة، عن أبي هريرة رضي اللّه عنه، عن النبي صلى اللّه عليه وسلم في قول اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏يوم ندعوا كل أناس بإمامهم‏}‏، قال‏:‏ ‏(‏يدعى أحدهم فيعطى كتابه بيمينه، ويمد له في جسمه، ويبيض وجهه، ويجعل على رأسه تاج من لؤلؤة يتلألأ، فينطلق إلى أصحابه فيرونه من بعيد فيقولون‏:‏ اللهم أتنا بهذا، وبارك لنا في هذا، فيأتيهم فيقول لهم‏:‏ أبشروا فإن لكل رجل منكم مثل هذا، وأما الكافرون فيسود وجهه ويمد له في جسمه، ويراه أصحابه فيقولون‏:‏ نعوذ باللّه من هذا أو من شر هذا، اللهم لا تأتنا به، فيأتيهم فيقولون‏:‏ اللهم اخزه، فيقول‏:‏ أبعدكم اللّه فإن لكل رجل منكم مثل هذا‏)‏ ‏"‏أخرج الحافظ أبو بكر البزار‏"‏‏.‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ومن كان في هذه أعمى‏}‏ أي في الحياة الدنيا ‏{‏أعمى‏}‏ أي عن حجة اللّه وآياته وبينانه، ‏{‏فهو في الآخرة أعمى‏}‏ أي كذلك يكون ‏{‏وأضل سبيلا‏}‏ أي وأضل منه كما كان في الدنيا، عياذاً باللّه من ذلك‏.‏

 الآية رقم ‏(‏73 ‏:‏ 75‏)‏

‏{‏ وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذا لاتخذوك خليلا ‏.‏ ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا ‏.‏ إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرا ‏}‏

يخبر تعالى عن تأييده رسوله صلوات اللّه وسلامه عليه وتثبيته وعصمته وسلامته من شر الأشرار وكيد الفجّار، وأنه تعالى هو المتولي أمره ونصره، وأنه لا يكله إلى أحد من خلقه، بل هو وليه وحافظه وناصره، ومظهر دينه على من عاداه وخالفه وناوأه في مشارق الأرض ومغاربها صلى اللّه عليه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين‏.‏

 الآية رقم ‏(‏76 ‏:‏ 77‏)‏

‏{‏ وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلا ‏.‏ سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا ولا تجد لسنتنا تحويلا ‏}‏

قيل‏:‏ نزلت في اليهود حين أتوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقالوا‏:‏ يا أبا القاسم إن كنت صادقاً أنك نبي فالحق بالشام، فإن الشام أرض المحشر، وأرض الأنبياء، فغزا غزوة تبوك لا يريد إلا الشام، فلما بلغ تبوك أنزل اللّه عليه‏:‏ ‏{‏وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها‏}‏ فأمره اللّه بالرجوع إلى المدينة، وقال‏:‏ فيها محياك ومماتك ومنها تبعث ‏"‏أخرجه البيهقي عن عبد اللّه بن غنم، قال ابن كثير‏:‏ وفي إسناده نظر، لأن النبي صلى اللّه عليه وسلم غزا تبوك عن أمر اللّه لا عن أمر اليهود‏"‏‏.‏ وقيل‏:‏ نزلت في كفار مكة لما هموا بإخراج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من بين أظهرهم فتوعدهم اللّه بهذه الآية، وأنهم لو أخرجوه لما لبثوا بعده بمكة إلا يسيراً، وكذلك وقع فإنه لم يكن بعد هجرته من بين أظهرهم بعد ما اشتد أذاهم له إلا سنة ونصف، حتى جمعهم اللّه وإياه ببدر على ميعاد، فأمكنه منهم وسلطه عليهم وأظفره بهم، فقتل أشرافهم وسبى ذراريهم، ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏سنة من قد أرسلنا‏}‏ الآية أي هكذا عادتنا في الذين كفروا برسلنا وآذوهم بخروج الرسول من بين أظهرهم يأتيهم العذاب، ولولا أنه صلى اللّه تعالى عليه وسلم رسول الرحمة لجاءهم من النقم في الدنيا ما لا قبل لأحد به، قال تعالى‏:‏ ‏{‏وما كان اللّه ليعذبهم وأنت فيهم‏}‏ الآية‏.‏